الشيخ محمد رشيد رضا

163

الوحي المحمدي

تلميذه العلامة المحقق ابن القيم ذكر أنه أرسله أو رجلا آخر إلى مصروع وخاطب الجنى الذي فيه بقوله : الشيخ يأمرك أن تخرج ، فخرج وشفى الرجل في الحال ، وما من مرض عصى أو غيره إلا وهو ضعف في الحياة حقيق بأن يزول باتصال هذا الروح بالمصاب به وبما دونه من تأثير النفس . ومن دون هذا وذاك المكاشفات المعبر عنها فيما حكاه تعالى عنه « 1 » بقوله : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [ آل عمران : 49 ] ، وقد أنبأ غيره من أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ، وكذا غيرهم من الروحانيين ولا سيما صالحي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما هو أعظم من هذا من الأمور المستقبلة ولكنها درجات متفاوتة في القوة والضعف ، وطول المدة وقصرها ، والثقة بالمرئى وعدمها ، وإدراك الحاضر الموجود ، والغائب المفقود ، وما كان في الأزمنة الماضية ، وما يأتي في الأزمنة المستقبلة ، فأعلاها خاص بالأنبياء إذا لم يوجد ولن يوجد بشر يعلم بالكشف ما وقع منذ القرون الأولى كأخبار القرآن من الرسل الأولين مع أقوامهم ، أو ما يقع بعد سنين في المستقبل كإخباره عن عودة الكرة للروم على الفرس ، وإخباره صلّى اللّه عليه وسلّم بفتح الأمصار واتباع الأمم لأمته ، ثم بتداعيهم عليها كما يتداعى الآكلون إلى قصعة الطعام ، وقد أخبر بعض أصحابه بأعيانهم بما يقع من ذلك في زمنهم كسقوط ملك كسرى ، وسنعقد فصلا خاصا بأخبار الغيب في القرآن والحديث في الجزء التالي كما وعدنا في فاتحة هذه الطبعة ، ومن المكاشفات الثابتة في هذا العصر ما يسمّونه قراءة الأفكار ، وقد شاهدنا من فعله ، ومنها مراسلة الأفكار كما تقدّم . فتبين بهذا وذاك أن آيات اللّه تعالى المشهور لموسى ( ع . م ) بمحض قدرته تعالى دون سننه الظاهرة في قواه الروحية ، وأنّ آياته لعيسى ( ع . م ) بخلاف ذلك ، والنوع الأول أدل على قدرة اللّه تعالى ومشيئته واختياره في أفعاله في نظر البشر لبعدها عن نظام الأسباب والمسببات التي تجرى عليها أفعالهم

--> ( 1 ) وقد سبقه إلى مثل هذا يوسف ( ع . م ) بما يحكى اللّه من قوله لصاحبه في السجن : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ [ يوسف : 37 ] .